التعايش مع كورونا مسؤولية حكومة أم وعي شعب

اتفق العالم أجمع منذ ظهور جائحة كورونا على أن الحياة بعدها لن تكون كما كانت، و كيف لها أن تعود إلى سابق عهدها وقد أصبح من ثبت عليه إدانة العطس المتكرر دليلاً نافذاً ليُصنَّف تحت بند جريمة حامل الفيروس الذي يستوجب الحكم النهائي عليه بالعزل الصحي لمدة أربعة عشر يوماً قابلة للتمديد إذا لم يثبت عليه حسن السيرة والسلوك!

فعلاً، لقد أضحت حياتنا اليوم مكبَّلة بين أسوار محكمة قد يصبح فيها البريء مذنبًا، وكأن وباءا لم يُعرف مصدره الحقيقي حتى اللحظة، جعل من الجميع سواسية، فكم من ثري أصيب به ولم تستطع أمواله أن تنقذه، وكم من فقير غلبه دون حاجته إلى ”واسطة” للحصول على العلاج، وقس على ذلك.

ستَّة أشهر مضت على انتقال كورونا من بؤرة انطلاقه ووهان الصينية نحو العالم، حيث تعدَّت عدد الإصابات حتى كتابة هذه الأسطر العشرة ملايين مصاباً بمجموع ستة ملايين و ثمانية وثمانين ألف حالة شفاء وخمسمائة وواحد وعشرين ألف حالة وفاة.

ستَّة أشهر فرضت على معظم دول العالم حظرا كاملا توقفت فيه حركة الطيران وانهارت أسهم البورصة والأسواق الاقتصادية، وعزفت مكاتب العمل بنسب تفوق 50٪ عن العمل وشُلَّ قطاع التعليم والتجارة، ولم تسلم منه أيضا الأنشطة الرياضية، فحُكِم على العديد منها بالتوقف الاضطراري حتى إشعار آخر.

وتعددت بذلك أساليب العزل من أجل الوقاية منه والحدِّ من انتشاره، فسخَّرت الحكومات ميزانيات ضخمة لمواجهته، فارضةً قوانين حظر التجوال وغرامات على من لا يلتزم بارتداء الكمامات، وأغلقت المراكز التجارية وكل ما يعزز من التجمعات التي تهدد سلامة الأفراد.

كل هذا وأكثر لم يكبح من سرعة انتشار هذه الجائحة واستمرارها، حتَّى وصلنا إلى مرحلة ضرورة التعايش معها إلى جانب أخذ الاحتياطات اللازمة، فجميع الدراسات حتى اللحظة لم تصل إلى تاريخ تقريبي على الأقل للقضاء عليها أو التوصل إلى لقاح ينقذ ملايير البشر عبر الكرة الأرضية.

وحفاظا على الاقتصاد العالمي من أزمة جديدة قد تعصف هذه المرة بالبنى التحتية للدول العظمى قبل الصغيرة والمتخلفة، بات الرجوع إلى النشاط السابق رويداً رويداً أمراً حتمياً، والجزائر على غرار الدول العربية الأخرى عرفت طفرة في عدد الإصابات بعد إعادة فتح المراكز التجارية واستئناف مختلف الأنشطة الاقتصادية والمهنية، لتسجل في اليوم الواحد أزيد من 300 إصابة كرقم قياسي منذ بداية انتشار الجائحة، الشيء الذي جعل من علامات الاستفهام تعود إلى الساحة أين تتراشق أطراف الأزمة الاتهامات بين من يحمِّل مسؤولية هذا التزايد على الحكومة التي لم تحسن إدارة الأزمة في وضع الحلول الناجعة بعد قرار رفع الحظر، وبين من يلقي لومه على المواطن الذي لا يزال غير واعٍ بجدِّية الوضع الذي نعيشه وحجم المخاطر المعرض لها، حيث عجَّت مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية بصور وفيديوهات الأعراس المقامة بحضور عائلي معتبر إن صح التعبير، متجاهلين بتاتاً أنَّ مثل هذه التجمعات قد تكون بداية لمتاهة أو موجة ثانية لانتشار الفيروس وبالتالي إقبالنا على نتائج لا يحمد عقباها.

من هنا أتساءل، من يتحمل عتبات قرار ضرورة التعايش مع هذه الجائحة شريطة الالتزام الصارم بقواعد التباعد الاجتماعي والتعقيم المستمر، هل الحكومة وحدها من ستفرض برنامجاً وقائياً والمواطن ملزم بالتقيّد به؟ أم أن الأوان  قد حان على أن يتحمل المواطن المسؤولية الكاملة تجاه مجتمعه حتَّى يصل لدرجة الوعي التام بمدى ضرورة التفكير بالغير بنفس القدر الذي يفكر فيه بنفسه؟

لن أجيب عن هذين التساؤلين لكنني سأترك لكم حرية القرار، ولكن دعونا ننظر إلى طرفي الأزمة كما أطلقت عليهما في الأسطر السابقة، لنعتبر هنا أن “الحكومة والمواطن” هما كفتي الميزان ولتحقيق التوازن الصحيح لابد من اعتدالهما سويًّا، فلا يمكن لكفَّة المواطن أن تُحمِّل طيش تصرفاتها وعدم احترامها لمسافات الأمان والتعقيم الدائم وتجنب التجمعات على كفَّة الحكومة وحدها، هنا سيختَّل الميزان وتعتلي إحداهما على حساب الأخرى بطبيعة الحال والعكس صحيح، لا يمكن أن نفرض على المواطن العربي بشكل عام والمواطن الجزائري بشكل خاص قوانين تحت شعار “احترم القانون تسلم” وقد تعوَّد منذ سنوات غبراء على عدم التقيِّد بالقوانين أو احترامها بالشكل الذي يفعله بمجرد سفره إلى بلد أوروبي، فلن تجده قد رمي قمامة على الأرض أو بصق عليها لأنه يعلم ما سينتظره!

فكيف لفرد أَلِف نمط حياةٍ معين بعيدا عن الانضباط أن ينصاع بين ليلة وضحاها إلى نظام يحكم عليه ساعات دخوله وخروجه من المنزل وطريقة تعامله مع غيره، عدا عن وجود عدد ليس بقليل منهم من لم يصدق حتى اللحظة وجود هذا الفيروس وفتكه بهذا العدد الهائل من الناس؟ وكم تحضرني الآن مواقف عدة شهر رمضان الفائت وطائرة الهيلكوبتر تحوم فوق عمارات السكان وكأنها ترجو منهم الالتزام بالبيوت  واحترام ساعات الحظر المفروضة!

فقبل الحديث عن الوعي وسنَّ القوانين لابدَّ من إحداث تغيير جذري على مستوى المنظومة العربية والجزائرية، من خلال السعي نحو خلق نمط تفكير جديد يجعل الحكومة باعتبارها المسير الأول للمجتمع قادرة على تقنين وتوجيه المحرك الأساسي للمجتمع ألا وهو المواطن والشعب، وقبل التسابق على جعل أي طرف منهما شمَّاعة لتعليق الأخطاء المرتكبة عليه على حساب الآخر، يجب علينا البحث عن جوهر التغيير بداخلنا، فكما يقول الله عزَّ وجلَّ:

“إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ”. ومن قوله تعالى وجب التدبُّر مليًّا في ملكة العقل التي ميَّزنا بها عن غيرنا، فليس من الصحيح ولا من المقبول أن نستمر في الخطأ بمجرد نشأتنا عليه ألن نكون كعبدة الأصنام عندما جاءتهم رسالة التوحيد فأجابوا: ” وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ”

قد تتفق أو تختلف تحليلاتنا من شخص لآخر، ومن فرد طبيعي لآخر ذو خبرة واختصاص أفضل منا، ولكن الشيء الذي لابد لنا أن نوَّحد فيه الصفوف هذه المرة أننا نعيش نقلة نوعية عالمية تمّس أهم ركيزة تساعد على الاستمرار والعطاء ألا وهي الصحة، فأصبح الصغير فينا قبل الكبير يتحمل مسؤولية الحفاظ على نفسه من أجل غيره، تحت مبدأ المسؤولية الاجتماعية التي حتمت عليها الظروف أن تجرّد الجميع من معتقدات وأساسيات بُنِيت عليها مجتمعات عدّة ومجالات كثيرة، مما يستدعي من كل جزء يشكِّل هوية أي مجتمع إلى “فرمتة” النظام القديم واستبداله بنظام حديث كلياً ينفض به الغبار عن أغلال كبَّلت طريقه نحو التغيير، وكأن هذه الجائحة جاءت كزلزال مدمّر سيعيد ولادة كل شيء! أليس كذلك؟ إذاً فلنُحسن استغلال هذه الفرصة…

بقلم: بلقيس زعموش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.